أين الثروة؟

MAAROUF.jpg

هذا السؤال الغرائبي الذي برز على الساحة السياسية في السنوات الأخيرة، و الذي استهلك الكثير من المداد في محافل وطنية مختلفة، مازال يقف متشردا بئيسا على أبواب الإدارات و مؤسسات الدولة المغربية، يبحث بلهفة منقطعة النظير على موطئ قدم في تقارير رسمية تربط المسؤولية بالمحاسبة، لكن مع الأسف دون جدوى، إذ لا حياة لمن تنادي. و هذا ما يحفزنا اليوم أن ننخرط نحن كذلك في زمرة المتسائلين، الواقفين أمام أبواب الإدارة المغربية الموصدة، لكي نتأمل ولو لهنيهة يسيرة مآل اقتصاد هذا البلد أمام استنزاف ثرواته عبر الاغتناء الفاحش الذي تستفيد منه قلة من أهل الحظوة و الجاه والسلطة و النفوذ مقابل تفقير فئات وشرائح واسعة من باقي المجتمع، حيث يعاني أسفل الهرم الاجتماعي الفقر والهشاشة وعتمة المصير. 

أين الثروة؟ هكذا تساءل ملك البلاد، وردد السؤال أبواق في البرلمان: أين الثروة؟ فالكل أصبح يتساءل: أين الثروة، و نحن نتساءل بدورنا كذلك عن مصير هذه الثروة. هل هي في جيوب خدام النظام السياسي الأوفياء؟ 

هل ذهبت الثروات إلى خزائن شركات وطنية أو أجنبية عملاقة استغلت عرق أبناء هذا الشعب وكده قصد الاغتناء؟ لو كان الأمر كذلك، فحتى هذا الوجه المظلم للاستغلال الرأسمالي، قد يثلج الصدور إلى حد ما، لأنه لا يحتاج في العمق إلى حلول بنيوية، بل فقط إلى إصلاحات تنظيمية، قد تتجلى في الزيادة في الأجور، وتحسين نظام الصحة والمعاشات، و تحسين الوعاء الضريبي، و بفضل هذه الإجراءات، قد يتعافى الاقتصاد الوطني، لكن كما يعلم الجميع فإن الأزمة أعمق من ذلك، إذ الكل يلاحظ كيف يزحف القطاع غير المهيكل على القطاعات المهيكلة المحدودة، و التي نادرا ما تتطور أو تبتكر مشاريع اقتصادية جديدة قادرة على استيعاب اليد العاملة المؤهلة في البلد.

لا يجب أن تنطلي علينا إشاعة عدم ملائمة التأهيل الجامعي لسوق الشغل، ذلك لأن مجموعة من القطاعات تستطيع أن توفر تكوينا مركزا لفائدة خريجي الجامعات في ظرف وجيز قصد إدماجهم في سوق الشغل، هذا إذا توفرت إرادة سياسية قوية للاستثمار في خدماتهم، لكن ما نلاحظه اليوم هو سوء تدبير المقاولة، حيث غالبا ما تسعى للربح السريع، و تقليص تكاليف الإنتاج، وبذلك لا تساهم في تنمية الاقتصاد الوطني بالشكل المطلوب.

يعج الاقتصاد الوطني بشركات و منعشين اقتصاديين ينشطون في السوق السوداء، إذ يشغلون الشباب بالتعاقد الشفوي، و يتم أداء أجورهم نقدا، حتى تسهل عملية فسخ عقد العمل في أي وقت يراه رب العمل مناسبا للتخلص من عامل لا يرغب بوجوده في ورشته أو مقاولته، و للدفاع عن مصالحه، قد يُرغم رب العمل هذا العامل الذي يشتغل في السوق السوداء بالتوقيع على بياض، حتى يضمن صمته في حال طرده من العمل. و بينما يقوم الاقتصاد الأمريكي على الشيك و التعاقد المكتوب، يسبح الاقتصاد الوطني في السوق السوداء و التعامل النقدي بالملايين دون المرور على الأبناك، مما يسهل الإفلات من المراقبة الضريبية الدقيقة للمصاريف والمداخيل.

إن أول صفعة يتلقاها المتسائل عن مآل الثروة، هو انتشار الريوع في النظام المخزني الذي مازال يعتمد المكافأة الاقتصادية لشراء الولاءات. هل من عاقل يشرح لنا ماهية الترخيص لشخص أو عائلة في استغلال مقلع رمال؟ ماذا سيفعل هذا الشخص أو العائلة بمداخيل المقلع لتنمية الاقتصاد الوطني؟ كم من عامل قد توظف هذه المقاولة؟ ربما قد يضع صاحب المقلع "عساسا" بورشته، أو ربما يستغني عن الفكرة في حدّ ذاتها؟ لماذا لا يتم الترخيص لشركات أو تعاونيات من خرّيجي الكليات لاستخدام عائدات هذه المقالع قصد إنشاء مقاولات استثمارية تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني؟ 

إن السؤال الجوهري الذي نضعه على من يتحكم في توزيع ثروات هذا البلد، هو أنه كيف يعقل أن تمنح ثروات و مداخيل بالملايين لأشخاص، لا يستطيعون توظيفها في استثمارات اقتصادية؟ هل يعقل أن الاقتصاد عالميا تجاوز مرحلة مقاولة الأشخاص و العوائل، بل أحدث قطيعة معها ليمر إلى مرحلة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، و نحن ما زلنا نسلم مستقبل استثماراتنا لعوائل وأشخاص معدودين على رؤوس الأصابع، ولا قدرة لهم على الابتكار أو قبول أفكار الآخرين؟

لماذا يقوم النظام المخزني بمنح رخص المواخير والحانات لأشخاص وعائلات لها ولاءات مخزنية؟ ماذا استفاد المجتمع والاقتصاد الوطني من عائدات هذه المواخير، مادامت الرخص توزع بدافع الولاء، و ليس بدافع رفع وثيرة الاستثمار؟ ما هي النشاطات الاقتصادية المتعددة التي يستثمر فيها أصحاب هذه المواخير ماعدا المقاهي والمطاعم؟ إن الكل يعلم جيدا أن خلال سنوات الرصاص، اعتبرت الحانات و المواخير ملاذا للتيارات اليسارية قصد الاجتماع والمناقشة و احتساء الجعة، فاستخدم المخزن طعم الرخص للتجسس على المناضلين و متابعة حواراتهم عن قرب خلال أوقات فراغهم.

ماذا كذلك عن الرخص التي توزع على ذوي النفوذ  للصيد في أعالي البحار؟ ماذا استفاد الاقتصاد الوطني من رخص المواخير والنقل والصيد؟ كم من شركة أو مقاولة أخرى قام أصحاب الرخص بفتحها لترويج أرباحهم؟ هل يعمل أصحاب هذه الرخص في إطار القانون، أم هم من ضمن من يرعى فوضى التشغيل في السوق السوداء وتوزيع الرشاوى و التهرب من الضرائب؟

ما معنى أن تورث المقاولة أبا عن جد، فتسمع عن ولد كبور، و ولد عباس وغيرهم من أولئك الذين ورثوا الثروة و المقاولة بنشاطاتها الاقتصادية؟ ماذا سيفعل الوارث بعائدات الثروة؟ هل يتوفر على نظريات اقتصادية تمكنه من تطوير المقاولة، وابتكار مشاريع اقتصادية جديدة؟ هذه أزمتنا الحقيقية...اقتصاد موروث، وبالتالي منعزل عن التكوين و البحث العلمي.

كفانا جلدا لذواتنا ولنظامنا التعليمي! كفانا التبجح في الملتقيات الوطنية والدولية بادعاءات باطلة حول عدم ملاءمة البرامج الجامعية لسوق الشغل. وهنا، نسوق لكم مثالا بسيطا عن الفراغ الاقتصادي في الاستثمار في المقاولة الإعلامية، حيث أن الجامعة المغربية بجميع مكوناتها في العلوم الإنسانية والاجتماعية منشغلة بإعطاء أولوية لهذا التخصص، بينما البنية التحتية الاقتصادية لاستقبال هؤلاء الخريجين مازالت غائبة؟ أين هي المقاولة الإعلامية بالمغرب؟   

عوض جلد التعليم، من الأجدر جلد نظام الريع المخزني!

أين هي الثروة؟ أين سوق الشغل الذي يلائم تطلعات هذا الشعب؟ هل يعلم أنصار الملاءمة أن جامعة أكسفورد ببريطانيا تزود سوق الشغل بخريجي الاختصاصات الأدبية الذين يتم توظيفهم بالأبناك، نظرا لجودة تكوينهم في التواصل و الكتابة.

متى كان المنعش الاقتصادي المبدع رجل سلطة، أو وارثا لثروة يبذر الكثير من عائداتها أثناء حملاته الانتخابية قصد الحصول على مقعد في البرلمان؟ أليس هذا عبث في لقاح المال بالسلطة، مما قد يفسد تطبيق القوانين، و يعبث باحترام الضوابط الأخلاقية في التعامل الاقتصادي؟ 

إن الكارثة التي تهدد الاقتصاد الوطني هو انتشار تمثلات ثقافية للنجاح بعيدا عن المدرسة و الجامعة و تحصيل المعارف، فلما تتحول الثروة إلى إرث لفائدة الأبناء والأجداد، أو تتم سرقتها بشتى الطرق الممكنة، أو يحصل عليها صاحبها في إطار مأذونيات أو إكراميات، أو يتم الاستيلاء عليها عن طريق السمسرة و ذكاء الحيلة، ثم يتم تغييب المدرسة والتكوين الجامعي في مشروع النجاح للظفر بالثروة، هذا  مؤشر خطير على إفلاس قيم النخب الاقتصادية والسياسية، كما ينذر  بإقصاء المدرسة و الجامعة باعتبارهما قاطرة في خلق التنمية الاقتصادية، لكن التعليم في الدول المتقدمة هو الضامن الوحيد لخلق ابتكارات جديدة و تطوير المقاولة و تجديد قيم النجاح.

لنأخذ قطاع البناء على سبيل المثال، هذا القطاع الذي أضحى اليوم حكرا على بعض السماسرة الذين أنشؤوا شركات وهمية، ومنهم من لا يتوفر حتى على الشهادة الابتدائية. كيف تعتمد الدولة قطاع البناء كمحرك أساسي في تطوير الاقتصاد الوطني، وهو غير مهيكل، لا يستطيع استيعاب الأيادي العاطلة المؤهلة؟ هل هي سخرية القدر أن  تعتمد الدولة فيما تسميه بالإقلاع الاقتصادي على منعشين عقاريين من صنف "مول الشكارة" لا خبرة لهم  ولا تكوين لهم في المعاملات الاقتصادية؟ كيف يلج عالم الاقتصاد كل من هب و دب شريطة  حصوله على قسط من الثروة؟ ألا نحصد نتائج عبثية في هذا النوع من الاستثمار من قبيل الغش و الفساد و تبديد الثروة في استهلاك الخمور و قضاء الليالي الحمراء عوض تطوير مشاريع استثمارية جديدة؟ ما هي الشركات الكبرى المستثمرة في قطاعات اقتصادية جديدة التي ولدت من رحم قطاع البناء؟ ما هي الإجراءات التي يعتمدها القطاع للحد من استنزاف الموارد الطبيعية من مساحات خضراء وغابات ورمال؟ 

متى ستبزغ شمس المؤسسات عوض سياسة تبليط الواجهات، و يتسلل ضوؤها إلى اقتصادنا لنودع الريع والولاءات وسطوة العائلات النافذة في السلطة؟ كيف يدخل المغرب عولمة الليبرالية الاقتصادية  بمؤسسات شكلية تحكمها عائلات و أشخاص تعرقل المشاركة والحركية الاقتصادية بمنطق المحسوبية و الزبونية والرشوة؟ فتكلست لديها المكاسب السياسية و الاقتصادية، حتى أصبحت حقوقا من الصعب تقاسمها أو التنازل على قسط منها.

لقد ساهم اقتصاد الريع في اغتناء العائلات المهيمنة و انتشار أفرادها في شتى الوظائف العمومية و ميادين التجارة، بل اتخذت العائلات المهيمنة من الجمعيات الرياضية والخيرية مطية لإنتاج السلطة، هكذا شلت هذه الطبقة الحاكمة الاختلاف والتعددية و حافظت على نزعتها البتريمونيالية السلطوية المبنية على القهر السياسي  والاستغلال الاقتصادي لأسفل الهرم الاجتماعي، و هنا نشنف مسامع القارئ بالسؤال المركزي: أين الثروة؟  يكمن الجواب عند النخب التي تتناسل و تتوارث السلطة والثروة و النفوذ في المغرب. إن هذه النخب هي التي تمتلك مفاتيح التنمية الاقتصادية و المشروع الديمقراطي المنشود، لكن ما هي العوامل المؤثرة التي ستدفع يوما هذه العائلات لتقاسم الثروة و السلطة مع باقي الشعب؟ كيف و هي تعودت على الإثراء السهل، و لم تتعود على  الابتكار؟ كيف وهي تؤمن بإرث السلطة و الوظائف الاقتصادية، كما تتحكم في التنظيم البيروقراطي للسلطة؟ 

د.محمدمعروف،أستاذ بجامعة شعيب الدكاليالجديدة

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

كود امني
تحديث